علي بن محمد البغدادي الماوردي

94

أدب الدنيا والدين

المعيّ يرى بأول « 1 » رأي * آخر الأمر « 2 » من وراء المغيب لوذعي « 3 » له فؤاد دكيّ * ما له في ذكائه من ضريب « 4 » لا يروي « 5 » ولا يقلب طرفا * وأكف الرجال في تقليب وإذا كان العالم في توسم المتعلمين بهذه الصفة وكان بقدر استحقاقهم خبيرا لم يضع له عناء ولم يخب « 6 » على يديه صاحب وإن لم يتوسمهم وخفيت عليه أحوالهم ومبلغ استحقاقهم كانوا وإياه في عناء مكد « 7 » وتعب غير « 8 » مجد لأنه لا يعدم أن يكون فيهم ذكي محتاج إلى الزيادة وبليد يكتفي بالقيل فيضجر الذكي ويعجز البليد ومن تردد أصحابه بين عجز وضجر ملوه وملهم . وقد حكى عبد اللّه بن وهب أن سفيان بن عبد اللّه قال : قال الخضر « 9 » لموسى « 10 » عليهما السلام : يا طالب العلم إن القائل أقل ملالة من المستمع فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم يا موسى واعلم أن قلبك وعاء فانظر ما تحشو في وعائك . وقال بعض الحكماء : خير العلماء من لا يقل « 11 » ولا يمل « 12 » . وقال

--> ( 1 ) بأول رأي : أي من غير تفكير ولا تدبر . ( 2 ) آخر الأمر : أي غايته . ( 3 ) لوذعي : يقال : رجل لوذع ولوذعي : أي خفيف ذكي جديد الفؤاد . ( 4 ) ضريب : شبيه . ( 5 ) لا يروّي : من روّيت في الأمر إذا نظرت فيه وتفكرت . ( 6 ) لم يخب : لم يخسر . ( 7 ) مكد : من أكدى الرجل إذا قل خيره . ( 8 ) غير مجد : من أجدى أي أغنى أي في مشقة وتعب لا يفيد فائدة . ( 9 ) الخضر : بفتح فكسر ، ويجوز إسكان الضاد مع كسر الخاء ، وفتحها ، قال ابن قتيبة : هو إيليا بن ملكان . واختلف في أنه ولي أو نبي ، والصحيح أنه نبي ، وجزم به جماعة . قال ابن الصلاح : وهو حي عند جماهير العلماء ، والصالحين والعامة منهم في ذلك ، وأنكر حياته جماعة ، منهم البخاري ، وإبراهيم الحربي وابن المناوي وابن الجوزي ، كما في العيني . واللّه أعلم . ( 10 ) موسى بن عمران : عليه السلام . عمّر 120 سنة ، وكانت وفاته في التيه . ( 11 ) من لا يقل : من الإقلال أي ضجرا أو عجزا أو عيا . ( 12 ) ولا يمل : بتطويله الكلام أو الدرس .